محمد بن جرير الطبري
4
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مشركي قومك أعداء شياطين يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ليصدوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم له من عند ربك ؛ كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرسل ، بأن جعلنا لهم أعداء من قومهم يؤذونهم بالجدال والخصومات ، يقول : فهذا الذي امتحنتك به لم تخصم به من بينهم وحدك ، بل قد عستهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم مع قدرتي على منع من آذاهم من إيذائهم ، فلم أفعل ذلك إلا لأعرف أولي العزم منهم من غيرهم ؛ يقول : فاصبر أنت كما صبر أولو العزم من الرسل . وأما شياطين الإنس والجن فإنهم مردتهم . وقد بينا الفعل الذي منه بني هذا الاسم الجن بما أغنى عن إعادته . ونصب العدو والشياطين بقوله : جَعَلْنا . وأما قوله : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً فإنه يعني : أنه يلقي الملقي منهم القول الذي زينه وحسنه بالباطل إلى صاحبه ، ليغتر به من سمعه فيضل عن سبيل الله . ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فقال بعضهم : معناه : شياطين الإنس التي مع الإنس ، وشياطين الجن التي مع الجن ؛ وليس للإنس شياطين . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفصل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أما شياطين الإنس : فالشياطين التي تضل الإنس ، وشياطين الجن الذين يضلون الجن ؛ يلتقيان فيقول كل واحد منهما : إني أضللت صاحبي بكذا وكذا ، وأضللت أنت صاحبك بكذا وكذا ، فيعلم بعضهم بعضا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو نعيم ، عن شريك ، عن سعيد بن مسروق ، عن عكرمة : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قال : ليس في الإنس شياطين ؛ ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس ، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا إسرائيل ، عن السدي ، في قوله : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً قال : للإنسان شيطان ، وللجني شيطان ، فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن ، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا . قال أبو جعفر : جعل عكرمة والسدي في تأويلهما هذا الذي ذكرت عنهما عدو الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا أولاد إبليس دون أولاد آدم ودون الجن ، وجعل الموصوفين بأن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول غرورا ، ولد إبليس ، وأن من مع ابن آدم من ولد إبليس يوحي إلى من مع الجن من ولده زخرف القول غرورا . وليس لهذا التأويل وجه مفهوم ، لأن الله جعل إبليس وولده أعداء ابن آدم ، فكل ولده لكل ولده عدو . وقد خص الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداء ، فلو كان معنيا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي ، الذين هم ولد إبليس ، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبر عنهم أنه جعل لهم الشياطين أعداء وجه . وقد جعل من ذلك لأعدى أعدائه مثل الذي جعل لهم ، ولكن ذلك كالذي قلنا من أنه معنى به أنه جعل مردة الإنس والجن لكل نبي عدوا يوحي بعضهم إلى بعض من القول ما يؤذيهم به . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد ، عن حميد بن هلال ، قال : ثني رجل من أهل دمشق ، عن عوف بن مالك ، عن أبي